جمال الدين بن نباتة المصري

38

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

أشعاره فقد ملأت الأقطار ؛ لكنّى اقتصر منها على ذكر القصيدة التي منها هذا البيت ، وكذلك أعتمد في كل ما يمرّ من شعره في هذه الرسالة . وهو أحمد بن الحسين كما في مخطوطتى ت ، م بن عبد الصمد الجعفىّ ، ويكنى أبا الطيّب . ولد بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة . وقيل : إنّ أباه كان يسمى عبدان ، وهو رجل كان يسقى الماء على جمل له بالكوفة . ونشأ أبو الطيّب مشتغلا بالأدب ، راغبا فيه مع فقره واحتياجه . وكان من أذكى النّاس وأسرعهم حفظا . حكى أنه جلس يوما بالورّاقين في أيام صباه ، فاستعرض من أحد الدلالين دفترا فيه أكثر من عشرين ورقة فأطال تأمّله إلى قال له الدّلّال : إن كنت تريد شراءه فعجّل الثمن ، وإن كنت تريد حفظه فهذا يكون في شهر ؛ فقال : إن كنت حفظته اخذه بغير ثمن ؟ قال : نعم ، فشرع يسرده عليه حفظا إلى أن أتمّه ، ووضعه في كمّه وانصرف ، ثم نظم الشعر واسترزق به ، وطاف البلاد ، وكان يقنع من الجائزة بأيسر شيء . ثم نزل باللّاذقية على معاذ بن إسماعيل فأكرمه وأحسن إليه ، وأقام عنده مدة . ثم خرج إلى بادية السّماوة « 1 » فنزل بقوم من بنى عبس فتنبّأ ، وعمل أسجاعا كثيرة ، وتبعه قوم منهم ، وكان سبب ذلك وقائع نادرة : منها : أنّ قوما قالوا له : إن هاهنا ناقة صعبة ، فإن ركبتها علمنا أنك مرسل ؛ فتحيّل يوما إلى أن ركبها ، فنفرت ساعة ثم سكنت ، ووردت الحىّ وهو راكبها . ومنها : أنّه كان مستخفيا فراح ليلة هو ورجل فنبح عليهما كلب ، فلما ذهب قال للرجل : إنّك ستجد الكلب ميّتا إذا رجعت ، فوجده كذلك .

--> ( 1 ) بادية السماوة : موضع بين الكوفة والشام . ياقوت .